قنشرين - البطريرك ايشوعياب الجدالي Head

 

 

الاسم :البطريرك ايشوعياب الجدالي الولادة: 628 الوفاة: 646 القرن: القرن السابع
 

إن الوثائق التاريخية لا تقدّم عن أيشوعياب الجدالي سوى معلومات قليلة مبعثرة هنا وهناك .كنا نتمنى أن نعرف تفاصيل أكثر عن نشأته ودراسته ونشاطه ولكن للأسف !نستدل من المصادر التي وصلتنا ،أن أيشوعياب ولد في قرية جدالا القريبة من قضاء سنجار في محافظة نينوى ،في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ،ونشأ وترعرع فيها ،ولما شّب قصد مدرسة نصيبين الشهيرة لمتابعة دراسته الأكاديمية .ويظهر لأول مرة على مسرح التاريخ ،حينما غادر المدرسة عام 596 ،على رأس فريق من الطلبة إحتجاجاً على تعليم رئيسها حنانا الحديابي .ويصف لنا التاريخ السعردي مغادرة هؤلاء المعارضين : ((وخرجوا من المدرسة وفرقوا قماشهم (البستهم)وأخذوا معهم أناجيل وصلبانا في مقبلان (منديل )أسود وفيارم (مباخر)وخرجوا من المدينة بالصلاة وينشدون تراتيل باعوثا وكانوا نحو ثلثمائة نفس )).ولما وصلوا مدينة بلد وكانت المحطة العادية للقوافل بين نصيبين ونينوى ،استقبلهم مرقس ،أسقف المدينة وأحتضنهم في مدرسة أنشأها لهم في الضاحية وعيّن ايشوعياب مديراً لها .

أسقف بلد :

لا نعرف ، على وجه الدقة ،متى أصبحت بلد كرسياً أسقفياً تابعاً لرئاسة أسقفية بيث عرباي والتي كانت نصيبين مقراً لها .لا نجد توقيع أسقفها بين تواقيع الأساقفة الذين حضروا مجمع باباي سنة497 .
أما قائمة أحبارها الرسمية فتبدأ في منتصف القرن السادس .لذلك على الأرجح جعلت بلد أسقفية في نهاية القرن الخامس .ووفقا للمعطيات العلمية الأكيدة ،خلف ايشوعياب مرقس على كرسي المدينة .
وهنا أيضاً نفتقر إلى تاريخ رسامته .وبالتأكيد تمت قبيل سنة612 ،إذ نجده يحضر المؤتمر اللاهوتي الذي عقد هذا العام عينه في البلاط الملكي وبحضور كسرى أبرويز .وقد أدار أبرشيته بحكمة وتفان .أما الحادثة التي انفرد بروايتها التاريخ السعردي والتي مفادها أن كسرى نفاه من بلد بسبب منعه بعض الأريوسية من الدخول إلى الكنيسة ومنعه الوالي من الاستيلاء على كرم عائد للوقف ،فهي خالية من الصحة .أولاً لم أقف على أي ذكر للآريوسين في بين النهرين ،لاسيما عصر ذاك .ثانياً لا تذكر أية مصادر أخرى أن ايشوعياب نفي من كرسيه .على الأكثر ،ينسب إليه التاريخ السعردي هذه الحادثة لاظهار صموده وقد استقاها من سفر الملوك الأول ،الفصل الحادي والعشرين ،وكان هذا الأسلوب مألوفاً لدى المؤرخين القدامى .

بطريرك كنيسة المشرق :
بعد وفاة غريغوريوس الأول ،أمسى الكرسي البطريركي شاغراً حوالي عشرين سنة .والسبب هو أن كسرى أبرويز(590 _628 )منع انتخاب شخص جديد لهذا المنصب لعوامل إدارية ونزاعات مذهبية بين المسيحيين ،وكانت لجبرائيل السنجاري طبيب الملك الخاص وزوجته شيرين المسيحية اليد الطولى في إصدار قرار البلاط .وقد حاول الأساقفة عبثاً ،مرات عديدة ،الحصول على إذن من كسرى لانتخاب خلف لغريغوريوس .وعندما باءت جميع مساعيهم بالفشل ،اتفقوا أن يدير كل مطران شؤون أبرشيته .أما الأبرشية البطريركية ،فقد عُهدت إدارتها إلى آبا الاركذياقون وكلّف باباي الكبير رئيس دير ازلا بتدبير أمور الأبرشيات الشمالية الشاغرة .وظلت الأوضاع على هذه الحال إلى أن مات كسرى أبرويز وجاء ابنه شيرويه إلى الحكم سنة628 .وكان العاهل الجديد يود إصلاح ما خلّفه والده من نزاعات وبلبلة وخراب على الصعيدين الداخلي والخارجي ،فأذن للأساقفة أن ينتخبوا رئيساً أعلى للكنيسة .وقد التأم الآباء في مجمع قانوني في 11 أيار 628 في العاصمة وانتحبوا بالأجماع ايشوعياب الجدالي أسقف بلد .وتمتّ مراسيم تنصيبه فيها ،وكان البطريرك الجديد يرتدي بيرونا (تاجا)أحمر ،((لما مات أبرويز ملك الفرس وملك ابنه شيرويه (قباذ الثاني)اختير هذا الأب الفاضل وسيم فطركاّ بالمدائن وعليه بيرون أحمر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة للاسكندر )).
وراح ايشوعياب يسعى جهده في إعادة تنظيم كنيسته وتلبية حاجاتها .
ومن بين أولى اهتماماته تثقيف إكليروسه وجماعته حيثما كانوا .وللبلوغ إلى هذه الغاية ،فتح المدارس التي كانت مغلقة وأسس غيرها .وكان متيقناً أن الوسيلة الوحيدة للصمود أمام النظام والمدّ المجوسي والمسيحيين المنشقين هو أن يكون للمرشحين للاسقفية ثقافة عالية وأخلاق رفيعة وروحية عميقة .
من هذا المنطلق رسم أشخاصاً فاضلين للكراسي الشاغرة وسهر على كسب ثقة المسؤولين والشخصيات البارزة في البلد من خلال المسيحيين العاملين في الدوائر الحكومية الرسمية .

رئيس بعثة دبلوماسية :
إن انتصارات هرقل امبراطور الروم على الفرس عام628 ونهاية كسرى أبرويز المأساوية هزّت كيان الدولة الساسانية وأضعفتها وأذلتها .ولما جاء شيرويه إلى العرش راح يفتش عن حلّ سلمي لهذه الحرب التي استمرت سبع سنين (622 _ 628 ).ولكن وفاته المفاجئة حالت دون تحقيق ذلك .كما أن
خلفاءه لم يتوقفوا في توقيع معاهدة صلح دائمة مع الروم بسبب فترة حكمهم القصيرة .ففي ظرف ثلاث سنوات توالى على العرش الساساني خمسة ملوك .وظل الوضع على هذه الحال إلى أن جاءت بوران إلى سدة الحكم عام 630 فسعت منذ بداية عهدها إلى إنهاء الخلاف القائم مع الروم وتوقيع معاهدة سلام عادل ،والسعي إلى تطبيع العلاقات بين الدولتين .لهذه الغاية أوفدت بعثة رسمية رفيعة المستوى ،يترأسها البطريرك ايشوعياب ،إلى سلطات الروم .وقد غادر الوفد العاصمة ساليق وقطيسفون في خريف سنة 630 وكان يتألف من رؤساء الأساقفة :قرياقوس (نصيبين)،جبرائيل (كركوك)،بولس(اربيل)،ماروثا(غسطرة)والأساقفة :ايشوعياب (نينوى)،سهدونا (ماحوزا أريون), وأنضم إليهم يوحنان أسقف دمشق .

أما أسباب اختيار رجال الدين هؤلاء فهي :

أ_ يقين الفرس بأن الروم سوف يستقبلون بحفاوة بالغة رؤساء المسيحيين ويلبون مطالبهم .نلمس ذلك واضحاً في العتاب الذي وجهه كسرى أبرويز إلى البطريرك ايشوعياب الأول ((إنك لم تخرج معي إلى بلاد الروم ولم توفُد أحداً من الأساقفة في صحبتي حتى يزيد الملك موريقي في اكرامي )).
ب_ كسب ثقة المسيحيين في الداخل والحصول على دعم الروم وهم مسيحيون أيضاً من الخارج .
جـ معرفة رؤساء الدين للغات اليونانية والفارسية وسعة علمهم ودرايتهم بطبيعة البلدين كانت تسهّل مهمتهم .
د_ كانت تكلف الدولة أقل من إرسال موظفين مدنّيين يستغلون منصبهم لمنافعهم الشخصية .
وقد التقى الوفد بالامبراطور وهو في حلب يشرف على تغيير الجهاز الإداري في الولايات السورية والمصرية ويُهّدىء الاضطرابات الدينية ويراقب عن كثب تحركات العرب المسلمين في شبه الجزيرة العربية ،وقد وصف لنا التاريخ السعردي مقابلة الوفد المشرقي له .
((فخافت بوران أن يقصدها ملك الروم .فسألت ايشوعياب الجاثليق أن يخرج برسالتها إلى ملك الروم لتجديد الصلح ،كما جرت العادة ممن تقدمها .فأجابها إلى ذلك وخرج مكرّماً ومعه المطارنة والأساقفة .فقصد ملك الروم فوجده مقيما في حلب .فدخل عليه وأدى الرسالة وأدخل الهدايا التي كانت معه .فعجب الملك هرقليس من تقلّد امرأة .وابتهج بما رأى من فضيلة (البطريرك)وعقله وفهمه وعلمه (..).وزوّده الملك وخلع عليه وعلى من كان معه وأحسن جائزتهم .وكتب إلى بوران جواب كتابها ،وضمن لها أن يمدّها بالجيوش متى أحتاجت وعرفها أنّ ذلك بسبب ايشوعياب الحامل لرسالتها .وانصرف من بلد الروم مكرّما )).
وفعلا وقّع البطريرك والامبراطور على نص المعاهدة وتدور حول ثلاث نقاط رئيسة :
أ_ إعتراف الطرفين المتخاصمين بالحدود الدولية المتفق عليها عام591 .
ب_ إخلاء كل المقاطعات المحتلة من قبل أحد الجيشين وبأقرب وقت .
ج _ إعادة أسرى الحرب إلى ذويهم فوراً .
وأخذ الطرفان على ذاتهما تنفيذ بنود المعاهدة .بعدها عاد ايشوعياب إلى ساليق وقطيسفون مسروراً بما حققه للبلد من أمان واستقرار .

بعثة تبشيرية إلى الصين :
كان لبلاد ما بين النهرين علاقات تجارية ممتازة مع بلدان واقعة على خط الحرير والتوابل ،أي مع أفغانستان والهند والصين .وكثير من المسيحيين كانوا يشتغلون بالتجارة .فانتهز البطريرك ايشوعياب هذه الفرصة ليرسل مع قافلة التجار قسساً ورهباناً ليبشّروا بلاد الصين .وإن النُصب الأثري الذي تم اكتشافه عام1625 في سيان فو خير برهان على المد الإرسالي لكنيسة المشرق وحيويتها .أقيم هذا النصب في 4 شباط سنة781 ،وتخليداً لذكرى وصول أول وجبة من المبشّرين المسيحيين .وقد جاء في القسم التاريخي لهذا الأثر ما يلي : ((أتى من بلاد المشرق شخص تقي يحمل معه كتباً مقدسة يدعى الابن (اوراهام)؟إلى بلاد الصين في عهد الامبراطور ثايوتسونغ عام635 ،وقد أرسل الامبراطور وزيره الأول الدوق فانغ هسوانلينسغ ليستقبل الزائر ويقوده بحفاوة إلى القصر الملكي .أما الكتب التي كانت بمعيته ،وقد ترجمها (إلى الصينية)موظفو المكتبة الملكية ،لأن جلالته أحبّ أن يطلّع شخصياً علي هذا الدين )).ثم يواصل الأثر الكلام عن تعمير الكنائس وفتح المدارس للتعليم الديني وازدهار المسيحية في عهد خلفاء الامبراطور ثايو تسونغ .وقد رفع ايشوعياب كرسي هراة (أفغانستان)وسمرقند (الاتحاد السوفياتي)وبكين إلى رئاسة أسقفية .وقد أعطت مسيحية الصين لكنيسة المشرق بطريركاً هو يابالاها الثالث(1283 _1318 )وزائراً عاماً هو الراهب صوما .وهكذا كان لكنيسة المشرق قصب السبق في مجالات شتى على الغرب المسيحي .

علاقات مع الفاتحين المسلمين :
استقبل مسيحيو بين النهرين العرب المسلمين الفاتحين بحماس وتفاؤل ،ورأوا في ظهورهم يد الله ،واعتبروهم محررين لاغازين ((في ذلك الزمان ،أخرج الله على الفرس بني اسماعيل وكانوا أشبه بالرمل الذي على ساحل البحر عدداً ،وكان يدبّر أمورهم محمد (الرسول)ولم تصدهم أسوار ولا أبواب ولا سلاح ولا تروس )).وقد جاء في رسائل ايشوعياب الثالث أن ((العرب الذين مكنّهم الله من السيطرة على العالم يُعاملوننا جيداً كما تعرفون .فهم لا فقط لا يعادون المسيحيين ،بل يمتدحون ملّتنا ويحترمون قُسسنا وقديسينا ،ويمدّون يد المساعدة إلى كنائسنا وأديرتنا )).
من هذه القناعة انطلقت القبائل العربية المسيحية في الحيرة وجوارها ،تجارب الفرس جنباً إلى جنب مع الفاتحين المسلمين .وهذا التعاون هو الذي أثر في الفاتحين من حيث اتخاذ موقف إيجابي من المسيحيين وتركوا لهم حرية الاحتفاظ بدينهم والقيام بشعائرهم حسبما تقتضيه عقائدهم .وقد نقل لنا الطبري توصية الخليفة عمر بن الخطاب بشأنهم ((أعطاهم الآمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم … وإنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم ولا يُكرهون على دينهم )).
إستولى العرب في تموز عام637 على العاصمة الفارسية ،ودخلوها بانتصار كبير ،وكان موجوداً فيها البطريرك ايشوعياب الجدالي .يقول التاريخ السعردي : ((فعندما رأى ايشوعياب الجاثليق أن العرب دمّروا (العاصمة)المدائن ونقلوا أبوابها إلى عاقولا (الكوفة)وأخذ الجوع يفتك بالسكان الباقين ،ذهب فحلّ في بيت كرماي في قرية كرخا )).
إن الأدب المسيحي حفظ لنا مجموعة من مراسلات وعهود تمّت بين ايشوعياب ومحمد والخليفة الراشدي عمر بن الخطاب ،غير أنه لا قيمة تاريخية لكل هذه المراسلات .ولكن مما لا شك فيه أنه كان للبطريرك ،وهو الرئيس الأعلى للمسيحيين في طول البلاد وعرضها ،علاقات وثيقة مع الفاتحين
فقد توصل معهم إلى صيغة ثابتة عملية للتعاون والتعامل بين الطرفين .

وترتكز هذه الصيغة على نقطتين أساسيتين :
أ_ أن يدفع المسيحيون الجزية التي تقوم مقام الزكاة بالنسبة إلى المسلمين مقابل حماية الدولة لهم ، وكانت في غالب الأحيان أقل بهظاً من الجزية التي كانوا يدفعونها للنظام الفارسي .
ب_ تترك لهم الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية ،شرط ألا يقوموا بأي نشاط تبشيري في صفوف المسلمين .
وفعلاً نال المسيحيون حظوة لدى الملوك والولاة المسلمين بولائهم وتعاونهم واخلاصهم ،وكان لتوجيه رؤسائهم الروحيين الأثر الفاعل على سلوكهم .هذا ما حاولت كل هذه المراسلات ،التي تعود إلى عهود متأخرة ،إن تعكسه ،لأن نجدها لدى كل الطوائف وبصيغ مختلفة ومتناقصة ! وفاته سنة 646 :
لمّا أتى العرب المسلمون على العاصمة الفارسية سنة637 ،انتقل ايشوعياب إلى قرية كرخا في مقاطعة بيت كرماي واستقر فيها .ويروي التاريخ الصغير والتاريخ السعردي أن البطريرك الشيخ قصد نصيبين قبيل وفاته لمعالجة الخلاف الحاصل بين مؤمني المدينة ورئيس أساقفتها قرياقوس .
((ولمّا وقع الخلاف بين أهل نصيبين ومطرانهم اسحق (قرياقوس )،قصد ايشوعياب نصيبين من المدائن ليصلح الحال بينهم .فلما وصل كرخ جدان ،اعتلّ بها ومات ،قدسّ الله وروحه ،ودفن هناك)) .
ويظهر أن قرياقوس قد توفي أثناء سفر البطريرك وإن أمير المدينة المجوسي حجز أموال الكنيسة ،وقبض على مناصري رئيس الأساقفة ووضعهم في السجن .وحالما وصل ايشوعياب نصيبين ،وأخبروه بالتطورات المفاجئة دعا برصوما رئيس مدرسة الحيرة ورسمه أسقفاً في دير مار سرجيوس القريب من نصيبين ،إلا أن النصيبينين رفضوه .إزاء هذا التعّنت ،عاد البطريرك إدراجه إلى بيت كرماي وقد أنهكه التعب وأثّر فيه تصرف أهل نصيبين ،فتوفي بعد زمن قصير ودُفن في مقبرة الشهداء (بيت سهدي)في كنيسة كرخا .وكان ذلك في 30 آب سنة646 حسبما نستدل من المعطيات التاريخية التي وردت في المصادر المطبوعة .
توفي ايشوعياب الجدالي بعد أن ساس كنيسة المشرق ما يقارب 18 عاماً ،وزار مؤمنيها في ابرشياتهم وقوىّ إيمانهم ،وثبّت سلطة الأساقفة وشدّ عزائمهم في ظروف صعبة .

تآليفه :
حفظ لنا عبد يشوع الصوباوي وعمر بن متى قائمة بعناوين الكتب التي ألّفها ايشوعياب الجدالي :
أ_ حسب عبد يشوع .
1-شرح للمزامير .
2-رسائل .
3-قصص .
4-مقالات في أمور شتى .
ب_ حسب عمرو .
1-كتاب الرؤوس في توبيخ المخالفين على المذهب (المسيحي المشرقي)
2-كتاب في الكلمات المترادفة
3-كتاب في أسرار الكنيسة ،ويتضمّن 22 سؤالاً وجواباً .ولكن مع الأسف الشديد لم يسلم من تآليف الجدالي سوى :
1-رسالة طويلة في شخص السيّد المسيح .
2-صورة إيمان نقلها عمرو وهي بالعربية .
3-ترتيلة دينية تتلى في زمن الصوم الكبير ((اوون دوشميّا ))نحاول الآن تحليل مؤلفاته هذه .
1-رسالة في شخص السيد المسيح .
إنها رسالة أو بالأحرى بحث مستفيض في طريقة الاعتراف بشخص يسوع الواحد الأحد .هذه الرسالة وجهها ايشوعياب حوالي سنة620 ،أيام كان بعد أسقفاً لمدينة (بلد)إلى إبراهيم المادي رئيس دير بقرب قرية باطنايا في محافظة نينوى .وتكشف لنا هذه الرسالة عن عمق معرفة مؤلفها الفلسفية واللاهوتية والكتابية .يكفي إنها أدرجت في مجموعة (المجامع)الرسمية لكنيسة المشرق والتي هي دستور عقيدتها .إننا إزاء وثيقة بالغة الأهمية بالنسبة إلى لاهوت السيد المسيح لاسيّما في هذه الحقبة بعينها ،والجدالات المذهبية المسيحية لا تزال قائمة وعنيفة .

وتبرز خصوصيتها في ثلاث نقاط :
1- تحديد المصطلحات اللاهوتية المستعملة بخصوص السيد المسيح ((كريستولوجيا))قبل أن تأخذ قالبها النهائي بالنسبة إلى الفكر المشرقي .فمثلاً الطبيعة ((كيانا))تشير إلى الطبيعة المجردة العامة وهي غير موجودة إلا في العقل .أما((قنوما))فيدل على الطبيعة الخاصة ،الفردية والشخص هو ((الانا))الظاهر ،المتميز ،المستقل .
2-تبادل الخواص .أي يُنسب إلى شخص المسيح ما هو خاص ببشريّته أو بلاهوته .
3-استقلاليته عن التيار اللاهوتي الانطاكي وبخاصة عن تيودورس المصيصي المعدود حجّة وإمام لاهوتيي المشرق .
أما نهجه ،فبعد مقدّمة مقتضبة يبدأ ايشوعياب بطرح قضيته ((كيف ينبغي أن يُعترف بشخص المسيح الواحد الأحد))؟ثم يستعرض كل الجدالات اللاهوتية حول الموضوع بتسلسل زمني .بعدئذ يقوم بتحليله فلسفياً وكتابياً (كتاب مقدس)ولاهوتياً ويختم بحثه بتخليص ما توصل إليه من استنتاجات .
2-صورة إيمان :
إنها صورة إيمان قدّمها ايشوعياب إلى هرقل امبراطور الروم أثناء سفره إلى سوريا عام630 ،ولم يسلم النص اليوناني _ السرياني ،بل وصلتنا الترجمة العربية وحدها .هذه الصورة قريبة ،إلى حد كبير ،من قانون إيمان مجمع قسطنطينية عام 381 ،وهي أمينة في آن معا إلى تراث الآباء الأولين برفض البدع ، وإلى الفكر اللاهوتي المشرقي .وتقع في عشرة مقاطع .
3-ترتيلة ((آوون دوشميا)).
إنها ترتيلة قصيرة تقال في آحاد الصوم الكبير .يُدرج الكاتب بين عبارات صلاة ((أبانا))أبياتاً شعرية تضم مَدْحاً أو طلباً أو شرحاً يتفق والنص الأصلي للصلاة ولا تضم أية تعابير عقائدية .وهي موجهة إلى الله ((الآب))على شكل صلاة جماعية .لقد نسبتها بعض المخطوطات إلى باباي الكبير ،وقد فعل الشيء نفسه بعض المختصيّن بالأدب السرياني ،لكنها في الواقع لايشوعياب الجدالي .لأن أقدم المخطوطات تنسبها إليه ((المتحف البريطاني رقم14675 من القرن13 ))،كما أن هناك تشابهاً كبيراً في الأفكار بين الرسالة وهذه الترتيلة ،كالإلحاح على ضعف الإنسان ولآمة إبليس ،وحاجة الإنسان إلى رحمة الله وعونه ،والدعوة إلى البحث عن إرادة الله وعيشها .

نصوص مختارة
اتحاد الطبيعتين في شخص واحد :
مفهوم الشخص :
131 إن الشخص ((فرصوفا))شكل ثبتته الحكمة الالهية بهدف كشف اللاهوت من خلال الناسوت وخلاص البشرية بواسطة الألوهية .هكذا يجمع الشخص ويربط ويوحد الصورتين :صورة الرب وصورة العبد بوحدة غير قابلة للانفصال أبدا .132 فالرب الذي اتخذ شخص العبد وطبيعته تحمل الألم والإهانات ليعبر له ((للإنسان))عن محبته .والعبد الذي لبس شخص السيدّ وطبيعته قبل المجد والسجود ليعبر له ((للسيد))عن محبته .133 نقول بإيجاز ،أن هاتين الصورتين المتميزتين في طبيعتيهما والمحتفظتين بخصوصيتهما تظهران وتعملان في شخص واحد من دون انقسام ولا انفصال .134 إن هذا الدواء أهدّته المراحم الإلهية لمعالجة شر الابليس الذي بحيله كان قد أغوى الإنسان فعصا وصية الله وابتعد عنه .135 وظن إنه يقدر بذلك أن يثير غضب الله عليه ،إلا أن الله أخذ ،بنظر الاعتبار ، ضعف الطبيعة البشرية وعدم بلوغ الإنسان النضوج وجهله وهيمنة الشيطان عليه ،فلم يتركه يهلك بأيدي خصومه بل خرج باحثا عنه كخروف ضال ،فوجده وحمله على منكبيه وأعاده إليه
(لوقا15/4_5 ).136 قام الله بكل هذا في سبيل أن يُظهر لخصوم الإنسان إنه (أي المسيح)من نفس جوهره ،واتخذه وجعله شخصاً واحداً معه حتى لا يقدر الأعداء على الإضرار به .137 والآن يعبده أصدقاؤه بفرح ويخضع له أعداؤه برهبة .

شكل الاتحاد :
138 لقد رتب الله كل هذا بشكل كامل .وبنسق تام ،ذلك بجعل الإنسان ،من خلال سكناه فيه ،
قوياً ثم أظهره متواضعاً ،صبوراً ومطيعاً في كل شيء (فيليبي2/8 ).139 وإنه لم يسلك بقداسة وبغير لوم فحسب ،بل كفّر عن ذنوب الجنس البشري بتحمله الموت برضاه .140 وقد أحبه الله للغاية _ وبشهادة الجميع _ ورفعه ممجّدا وأخزى الشيطان المجرب الذي حاول تضليله ،فاضحاً حيله كلها .141 مما دفع الرسول الطوباوي إلى القول : ((فوضع نفسه وأطاع حتى الموت ،الموت على الصليب لذلك رفعه الله ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء ،كيما تجثو له كل ركبة في السماء وفي الأرض وفي الجحيم ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيداً لله الآب))(فيلبي2/8_11).
142 وبالرغم من أن الشخص الذي تُنسب إليه هذه الأقوال هو واحد إلا إنه يظهر في حقيقتين مختلفتين :السيد الذي تنازل والعبد الذي ارتفع .143 ومعلوم أن العبد لا يقدر أن يرتفع فوق مستواه ولا السيد أكثر مما هو عليه .فالسيد اتضع من دون أن يفقد طبيعته ،ولو كان قد فقدها فعلا لما تكلمنا عن التواضع كونه قد حصل خراب .144 ولما قدر أن يخلص العبد وأن يشركه في مجده لو لم يتجردّ من ذاته ويلبس صوره العبد ويظهر بمظهره (فيلبي 2/7 ).145 تنازل السيد بمحض إرادته نحو العبد لذلك تُنسب إليه شخصيا كل الآلام والإهانات التي تحملها طبيعيا .146 ومثلما أن السيد تنازل إلى العبد ومات مصلوبا ،هكذا رفع العبد وأكرمه بجلوسه عن يمينه .ولم يفقد العبد طبيعته بارتفاعه ولو فقدها لغدا صعوده خرابا لا مجدا ولما استطعنا أن نتكلم عن التدبير .147 نزع العبد صورته الحقيرة ولبس مجد الله وسجد له الجميع في شخص الرب وهو سيدين العالم بطبيعة الله الكلمة الحال فيه .148 وقد اكتسب بفضل اتحاده ،غير قابل الانفصال ،القدرة والسلطان والمعرفة كما قال هو نفسه : ((إني أوليت كل سلطان في السماء والأرض ))(متى 82/18 )و((إن الآب لا يدين أحداً ،بل جعل القضاء كله للابن))(يوحنا 5/22 ).149 ولنسمع الرسول الطوباوي يعلن بوضوح في رسالته إلى العبرانيين شخص المسيح الواحد بطبيعتيه : ((إن الله ،بعدما كلم اباءنا قديما مرات كثيرة بلسان الأنبياء بأشكال شتى ،كلمنا في هذه الأيام وهي الأخيرة بلسان ابنه))(عبر1/1_2 ).150 إن لفظة((الابن))المستعملة هنا تشير حقيقة إلى الطبيعتين معا ،إما العبارة التالية فإنها تعلن وجوده البشري مثلما نحن الآن : ((لقد جعله وارثا لكل شيء ))(عبر 1/ 2 ).151 ومع هذا حتى لا يظن البعض أن الابن كائن مخلوق وإن من ((جُعل وارثا))ليس هو الابن الحقيقي أو مختلف عن المولود من الآب منذ الأزل ،استدرك قائلاً : ((به أنشأ العالمين ،هو شعاع مجده وصورة جوهره ))(عبر 1/3 ).بهذه العبارة أكد الرسول أنه مساو للآب في الجوهر والخلق .152 ثم يذكر آلامه البشرية قائلاً : ((وبعدما طهّر بنفسه خطايانا جلس عن يمين ذي الجلال في العلى))(عبر1/3 ).153 تُميز هذه الايات بوضوح بين خالق العالم وابن الآب الأزلي من جهة وبين الوارث والجالس عن يمين ذي الجلال من جهة ثانية ،إلا أن الرسول يتوجه في الحالتين إلى شخص واحد معلناً بأن المسيح واحد وهو ابن الله ولا ينقسم إلى مسيحين أو ابنين.154 هو نفسه شعاع مجد الآب وصورة جوهره والوارث المذبوح من أجل الخطاة والجالس باقنومه البشري عن اليمين .155 ويشهد له المقطع التالي: ((فكان أعظم من الملائكة بمقدار ما للاسم الذي ورثه من فضل على أسمائهم ))(عبر1/4 ).إذن صار خالق الملائكة من جديد أعظم منهم وفاق اسمه أسماءهم .156 حتى آريوس الذي فقد صوابه لم يتجرأ على القول علناً إن المسيح ابن من دون لاهوته العظيم ولا إننا نقدر أن نعرفه من دون بشريته ولا أن نتكلم عن ضعفه البشري من دون لاهوته .157 المسيح إذن ،ظاهر لنا بشكليه في آن واحد ونسجد له سجوداً متميزاً ونؤمن به بصيغة إيمانية واحدة .إنه ((إله كامل وإنسان كامل))إله تأنس من أجلنا وإنسان تألم لتمجيدنا .158 والكلمة إله بطبيعته وإنسان بواسطة اتحاده ببشريتنا .كذلك الإنسان بطبيعته وإله بواسطة اتحاده بالكلمة ومثلما أن الله الكلمة لم يصبح بتجسده إنسانين كذلك الإنسان لا يصير بتألهّه إلهين أو ابنين 159 إن المسيح واحد ،إله واحد ،واحد باعتباره مع الاب وواحد باعتباره منّا ،هكذا تظهر وحدة الشخص كاملة .160 مع هذا نبقى عاجزين عن سبرغور سرّ تدبيره ومهما اعترفنا به لا يمكن أن يدركه عقلنا ؛فقط تمكث حقيقته في فكرنا حتى يسند نفوسنا ،كون المعرفة التامة لا تمنح لنا إلا في العالم الجديد غير البالي !

تعليم مجمع نيقية :
161 إن هذا الصراط المستقيم ،الذي رسمه الأنبياء والرسل بنقاوة ،عليه سار الآباء القديسون المجتمعون بمدينة نيقية .فقد قضوا على الأفكار المضللة وثبتوا عبادة الله وسلموا ما نصّه : ((نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله )).162 وبعدما وضعوا أولا هذا الاسم المحبوب والمسجود له كأساس لحديثهم عن اللاهوت والناسوت على حد سواء ،راحوا يقولون عن الابن ((الوحيد،بكر البشرية كلها)).
بهذا علّموا المؤمنين الإقرار بشخص المسيح الواحد،واحد بولادته الإلهية وبكر لأخوة كثيرين بعماده وقيامته .163 إن هذين اللقبين يضمّان مجمل تاريخ اللاهوت والناسوت .164 وللتوضيح أضافوا :
((مولود من الآب قبل كل الدهور ،مولود غير مخلوق ،إله حق من إله حق ،من نفس جوهر الاب .وبه خلق العالمين وكل شيء به كان))بهذا يؤكدون بأن المسيح مساوٍ للآب في الجوهر والقدرة والخلق .165 ورسموا شكل التدبير بقولهم : ((من أجلنا نحن البشر ،ومن أجل خلاصنا ،نزل من السماء ،وتجسد من الروح القدس وصار إنسانا )).166 أي قلب صخري هذا الذي لا يميزّ بداية وعلة تجسده وصيرورته إنسانا ؟هل بتغير طبيعته؟لم أسمع أن أحدا قال ذلك ولا حتى من بين الهراطقة القدامى يوجد من تجاسر فقال أن ظهوره كان خياليا ومن دون طبيعته .167 إننا نقرّ بأن الذي هو إله من إله صار بتجسده إنسانا أي باتخاذه جسدا مثل جسدنا .وهذه بداية تاريخ بشريته .168 لقد صار إنسانا ذلك الذي هو فوق كل شيء وخالق كل شيء وإن كل ما تحمله الجسد طبيعياً عُزي إلى مالك الجسد شخصياً لأنه متحد به منذ وجوده .169 بهذه الثقة يقول الرسول : ((لقد أرسل الله ابنه فولد من امرأة ))(غلا 4/4 ).وهذا بالذات ما أراد الآباء القديسون التعبير عنه لما قالوا : ((نزل من السماء وتجسد وصار إنساناً )).
(من الرسالة إلى إبراهيم المادي حول المسيح مجلة ((بين النهرين ))العدد89 _ 90 سنة1995 ص120 _123 ).

ترتيلة ((أيها الآب السماوي))
أيها الآب السماوي ،القدوس في كيانه ،إجعل الساجدين لك أهلا ليقدسوا اسمك ليأت ملكوتك كما هو سره قبل الزمن ،فها قد دَخلنا منذ زمن في دائرته خبزنا كفاف يومنا أعطنا ،لأن طبيعتنا المائته بحاجة إليه في كل وقت كنت عالما بضعفنا قبل خلقنا ،ولكنك خلقتنا بمحبتك ،فامحُ الخطا عنّا برحمتك .
لقد أخطأنا تجاه ألوهيتك وتجاه بعضنا البعض ،فليصفحْ أحدنا للثاني وأنت يا رب ،اغفر لجميعنا .
في تجارب الشيطان وشهواتنا لا توقفنا لأنها عاتية ونحن ضعفاء .
بعطفك يا حنّان ،خلّصنا من الشرير ،فأنت وحدك تقدر على سحق طغيانه لك الملك والقدرة والمجد ،وامنحنا (النعمة)لنكن ورثة ابنك الحبيب ،ومع القديسين نرفع إليك ،يا سيدنا ،المجد الواجب ،أبد الدهور ،آمين .
(الحوذرا جزء 2 ص116 ).

 
من موسوعة قنشرين للآباء والقديسين
Print
Send to friend
Edit
Back
طباعة
أرسل لصديق
تعديل
عودة
 

 

 
 
         
         
         
   

Qenshrin.com
Qenshrin.net
All Right reserved @ Qenshrin 2003-2015